الغزالي
84
المستصفى
كان ذلك دليلا ظاهرا كالقطع في كونها من القرآن ، فدل أن الاجتهاد لا يتطرق إلى أصل القرآن أما ما هو من القرآن وهو مكتوب بخطه فالاجتهاد فيه يتطرق إلى تعيين موضعه وأنه من القرآن مرة أو مرات ، وقد أوردنا أدلة ذلك في كتاب حقيقة القرآن وتأويل ما طعن به على الشافعي رحمه الله من ترديده القول في هذه المسألة ، فإن قيل : قد أوجبتم قراءة البسملة في الصلاة ، وهو مبني على كونها قرآنا ، وكونها قرآنا لا يثبت بالظن ، فإن الظن علامة وجوب العمل في المجتهدات ، وإلا فهو جهل أي ليس بعلم ، فليكن كالتتابع في قراءة ابن مسعود قلنا : وردت أخبار صحيحة صريحة في وجوب قراءة البسملة ، وكونها قرآنا متواترا معلوم وإنما المشكوك فيه أنها قرآن مرة في سورة النمل أو مرات كثيرة في أول كل سورة ، فكيف تساوي قراءة ابن مسعود ولا يثبت بها القرآن ولا هي خبر ، وهاهنا صحت أخبار في وجوب البسملة وصح بالتواتر أنها من القرآن ، وعلى الجملة فالفرق بين المسألتين ظاهر . النظر الثالث في ألفاظه وفيه ثلاث مسائل : - مسألة ( الحقيقة والمجاز ) ألفاظ العرب تشتمل على الحقيقة والمجاز كما سيأتي في الفرق بينهما ، فالقرآن يشتمل على المجاز خلافا لبعضهم ، فنقول : المجاز اسم مشترك ، قد يطلق على الباطل الذي لا حقيقة له ، والقرآن منزه عن ذلك ، ولعله الذي أراده من أنكر اشتمال القرآن على المجاز ، وقد يطلق على اللفظ الذي تجوز به عن موضوعه ، وذلك لا ينكر في القرآن مع قوله تعالى : * ( أولئك ) * ( يوسف : 28 ) ، وقوله : * ( جدارا يريد أن ينقض ) * ( الكهف : 77 ) ، وقوله : * ( لهدمت صوامع وبيع وصلوات ) * ( الحج : 04 ) ، فالصلوات كيف تهدم * ( أو جاء أحد منكم من الغائط ) * ( النساء : 43 والمائدة : 6 ) * ( الله نور السماوات والأرض ) يؤذن الله وهو يريد رسوله . * ( الشهر الحرام بالشهر الحرام والحرمات قصاص فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم واتقوا الله واعلموا أن الله مع المتقين ) * ( البقرة : 491 ) ، والقصاص حق ، فكيف يكون عدوانا ؟ ( وجزاء سيئة سيئة مثلها ) * ( الشورى : 04 ) * ( ذلول ) * ( البقرة : 51 ) * ( ويمكرون ويمكر الله ) * ( الأنفال : 03 ) ، * ( كلما أوقدوا نارا للحرب أطفأها الله ) * ( المائدة : 46 ) * ( ( 18 ) أحاط بهم سرادقها ) * ( الكهف : 92 ) وذلك ما لا يحصى وكل ذلك مجاز كما سيأتي . - مسألة ( هل القرآن كله عربي ؟ ) قال القاضي رحمه الله القرآن عربي كله لا عجمية فيه ، وقال قوم : فيه لغة غير العرب ، واحتجوا بأن المشكاة هندية ، والإستبرق فارسية ، وقوله : * ( وفاكهة وأبا ) * ( عبس : 13 ) قال بعضهم : الأب ليس من لغة العرب ، والعرب قد تستعمل اللفظة العجمية فقد استعمل في بعض القصائد العثجاة يعني صدر المجلس ، وهو معرب ، كمشكاة ، وقد تكلف القاضي إلحاق هذه الكلمات بالعربية ، وبين أوزانها ، وقال : كل كلمة في القرآن استعملها أهل لغة أخرى فيكون أصلها عربيا ، وإنما غيرها غيرهم تغييرا ما كما غير العبرانيون فقالوا للإلاه : لاهوت ، وللناس : ناسوت ، وأنكر أن يكون في القرآن لفظ عجمي مستدلا بقوله تعالى : * ( لسان الذي يلحدون إليه أعجمي وهذا لسان عربي مبين )